لقد كان زيد بن ثابت طفلًا صغيرًا يوم أن قامت غزوة بدر، واشتاقت نفسه للجهاد وهو بعدُ ابن ثلاثة عشر عامًا، وحين حاول أن يخرج للحرب في غزوة بدر، ردَّه رسولُ الله ﷺ بسبب صغر سنه.. وعندها رجع إلى البيت يبكي بسبب عدم مشاركته المسلمين في الجهاد، ولما رأته أمُّه «النَّوَار بنت مالك» على هذه الحالة لم تطيب خاطره بكلمات وكفى، فإنها كانت تدرك عمق مواهبه وإمكاناته؛ فلفتت نظره إليها وقالت له: إن لم يكن باستطاعتك أن تجاهد بالسيف والدرع كما يفعل المجاهدون في المعركة، فباستطاعتك أن تخدم رسول الله ﷺ والإسلام بالعلم الذي عندك!!
اكتشاف الموهبة وحسن توظيفها:
كان زيد يحفظ الكثير من سور القرآن الكريم.. وهذا مجال يتفوق فيه على غيره.. وهكذا استطاعت الأم الواعية الفاهمة أن تفتح لصغيرها بابًا آخر، بعد ما أُغلق أمامه باب الجهاد مؤقتًا.
وعقب غزوة بَدْر اكتسب زيد مَزِيَّة أخرى؛ إذ أمر النبي ﷺ أسرى المشركين، أن يُعلِّم كل واحد منهم «عشرةً من الغلمان الكتابة، ويخلِّي سبيله، فيومئذٍ تعلّم الكتابةَ زيدُ بن ثابتٍ في جماعةٍ من غلمة الأنصار»([1]).
وفي الخبر السابق حَرصَ الراوي أن يذكر زيد بن ثابت دونًا عن غيره، ولعل ذلك لنبوغ زيد العلمي الذي حصل له بعد ذلك، فكأنه أراد أن يقول: إن ما تراه من نبوغ وعلم وثقافة لم يتأتّى إلا من تلك اللحظة، يوم تعلم زيد القراءة والكتابة.
إن هذا النبوغ الذي لمحته أمُّه في ولدها من سرعة الحفظ، وملكة القراءة والكتابة التي تعلمها من متعلمي أسرى بدر، جعل النبي ﷺ ينظر فيه نظرة مختلفة فيجعله يتعلم لغة أجنبية ويكون مترجمًا له، بل أصبح المترجم الأوّل للنبي ﷺ لكلّ ما يَرِدُ عليه من اليهود بلغة السريانية ومن ثم الردّ عليهم بلغتهم، وهذا جعل المراسلات التي كانت تجري بين النبي ﷺ وبين اليهود في مأمن من أيّ تحريف أو تزوير.
إضافة إلى ذلك جعله رسول الله ﷺ من كَتَبَة الوحي، وكفاه شرفًا بذلك، وكان زيد مجاورًا للنبي ﷺ في سُكناه؛ حيث كان كلّما نزل شيء من القرآن إلا وأرسل النبيّ ﷺ في طلب زيد من أجل كتابة ما أُنزل، يقول زيد: «كنتُ جاره (أي النبي ﷺ) وكتبتُ له الوحي، وكان إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا».
إنَّ اختصاص زيد بن ثابت بشغل أمين سِرّ المراسلات النبوية، ثم اضطلاعه بمهمة كتابة الوحي؛ جعل أبا بكر في أول خلافته يوكل إليه مهمة جمع القرآن، وكان عمره وقتئِذٍ ثلاثًا وعشرين سنة!! ومن بعد ذلك عثمان بن عفان في الجمع الثاني للقرآن.
ولقد تميز زيد بعلم آخر لم يتميز فيه إلا القليل، وهو علم الفرائض أو المواريث، أي أنه كان عالمًا بالحساب والفقه معًا، الأمر الذي جعل النبي ﷺ ينبه الناس إلى هذه الخصيصة في زيد وهو يعدد خصائص بعض أصحابه، فيقول: «أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَقْرَؤُهَا لِكِتَابِ اللهِ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُهَا بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ»([4]).
النبي ﷺ أعظم من اكتشف المواهب ووظفها:
وهذا الحديث السابق يوضح كيف كان يراقب النبي ﷺ أصحابه، ويتفرس مهاراتهم، ويصنف قدراتهم ومواهبهم، فإذا به يعدد خصائصهم ويمدح صفاتهم، فكان أعظم من يكتشف المواهب ويوظف القدرات، وهذا لم يكن مع زيد فقط بل مع بقية الصحابة، كقوله: «خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَبَدَأَ بِهِ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ»([5]).
ولما رأى عبد الله بن زيد كلمات الأذان في رؤية قصها على النبي ﷺ، استثمر ﷺ موهبة بلال بن رباح في حسن الصوت فجعله مؤذنًا، وقال لعبد الله: «إنَّ هذِه لرؤيا حقٍّ فقم معَ بلالٍ فإنَّهُ أندى وأمدُّ صوتًا منكَ فألقِ عليهِ ما قيلَ لَك ولينادِ بذلِك»([6]). وجعل مصعب بن عمير داعيًا وسفيرًا.
ولما أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص جعلهما على قيادة الجيوش لخبرتهم بالحروب، كما يقول عمرو: «مَا عَدَلَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي حَرْبِهِ مُنْذُ أَسْلَمْنَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ»([7]).
فالخطوة التالية لعملية الاكتشاف هي توظيف تلك القدرات والمهارات في خدمة القضية وخدمة الدعوة ونصرة الدين ونفع الناس والأمة، وإلا فما قيمة الموهبة إذا لم تستغل وما فائدة العبقرية إذا لم ينتفع بها؟
زيد العالم النابغ:
تميز زيد بن ثابت في حياته بالعلم خصوصًا في المواريث والقرآن وشهد له الصحابة والتابعون والأئمة واتخذ مكانة في التاريخ وبين كبار الصحابة بذلك العلم.
قَالَ الإمام الشَّعْبِيُّ: غَلَبَ زَيْدٌ النَّاسَ عَلَى اثْنَتَيْنِ: الفَرَائِضِ، وَالقُرْآنِ.
هذا هو زيد بن ثابت الحافظ، والقارئ، والمترجم، والفقيه، والحاسب، والمفتي والقاضي، ما وصل إلى ذلك إلا حينما رصدته عين مستكشف هي عين أمه بداية ثم عين النبي ﷺ الذي لم يكتفِ بمهارته في القراءة والحفظ بل اعتنى به ووظف موهبته لاكتساب لغة أجنبية ومعارف أخرى ربما لم يتطلع إليها زيد في يوم ما، فقد كان أقصى طموحه أن يكون مجاهدًا ويقاتل في سبيل الله، ربما قتل مع أول غزوة وربما حقق فتوحات كثيرة، لكنه بعلم فتح قلوبًا غلفا وسار أثره ممتدًا إلى يومنا هذا.
وهذا درس يحتاجه الآباء والمؤسسات التربوية والدعاة ففي أبناءنا كثير من النجباء والموهوبين وأصحاب النبوغ والهمم العالية والكفاءات المتميزة، والقدرات المبدعة، والطاقات الفذة، كالذهب والجواهر لكنها مدفونة تنتظر من يبحث عنها ليمسح عنها الغبار ويستخرجها من مكامنها ويقدمها للأمة، تحتاج فقط من يهتم ويراقب ويرعى.
إن عدم اكتشاف الموهبة مبكرا هو وأد ابتدائي لها، وأن إهمال هذه المواهب بعد اكتشافها هو حكم عليها بالقتل في مهدها.
نشر بمجلة الوعي الإسلامي، العدد (724)، جمادى الآخرة 1447هـ/ ديسمبر 2025م
([1]) السهيلي: الروض الأنف (3/135).
([2]) رواه أحمد (21618)، وقال محققوه: إسناده حسن. وأبو داود (3645)، والترمذي (2715) وعلقه البخاري في «صحيحه» (7195) بصيغة الجزم.
([3]) رواه أحمد (21587).
([4]) رواه الترمذي (3790)، وابن ماجه (154) وأحمد (12904) واللفظ له، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه الألباني.
([5]) رواه البخاري( 3808)، ومسلم (2464).
([6]) رواه الترمذي (189) واللفظ له، وابن خزيمة (363) وأبو داود (499) وحسنه الألباني.
([7]) رواه أبو يعلى (7347) وقال محققه: رجاله ثقات.
([8]) ابن المقرئ: الرخصة في تقبيل اليد، دار العاصمة – الرياض الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ، ص ٩٥.
([9]) انظر في أخبار زيد بن ثابت ﭬ السابقة: سير أعلام النبلاء للذهبي (2/ 426) وما بعدها.