مقالات تاريخية

وثيقة (صحيفة) المدينة

وثيقة (صحيفة) المدينة

كانت الخطوة التنظيمية الثالثة التي قام بها الرسول ﷺ تختص بالتنظيم السياسي في الدولة الجديدة، وهي كتابة (صحيفة أو وثيقة المدينة)، وهي أشبه بالدستور في الأعراف الحديثة، فقد كتبت لتنظم العلاقات بين سكان المدينة من المسلمين أنفسهم وبينهم وبين المتعايشين معهم (اليهود والمشركين).

ولتوضح التزامات جميع هذه الأطراف، لأن النبي ﷺ سعى منذ البداية لإنشاء مجتمع يقوم على الأمن، ويضمن بدرجة كبيرة عدم تقاتل أعضائه بالسلاح فيما بينهم، بل يتجهون لتسوية منازعاتهم بالطرق السلمية، وتحت مظلة الشريعة الإسلامية.

وقد جمع النبي ﷺ كل أطياف المجتمع واتفق معهم على وضع هذه الوثيقة، بحيث تضمن للجميع حقوقهم وواجباتهم.

قال محمد بن إسحاق رَحِمَهُ اللهُ يعني في أول ما قدم النبي ﷺ المدينة: كتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وادَعَ فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط لهم… ثم ذكر بنود الصحيفة كاملة([1]).

ويُرجّح د. أكرم العمري أن هذه الوثيقة هي في الأصل وثيقتان، إحداهما تتعلق بموادعة اليهود، كُتبت قبل غزوة بدر أول قدوم النبي ﷺ المدينة، والثانية تتعلق بحلف المهاجرين والأنصار رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وتحديد التزاماتهم، كُتبت بعد بدر، لكن المؤرخين جمعوا بين الوثيقتين([2]).

 

 

تحليل الوثيقة:

(i) وثيقة موادعة اليهود

  • تلزم الوثيقة على التزام اليهود بدفع قسط من نفقات الحرب الدفاعية عن الوطن (المدينة)، وبالتالـــــي فإن على سكـــان المدينة جميعًا (مسلمين وغـــــيرهم) أن يتعاونوا مالـــيًا وأدبيـــًا وعسكريًا (دعـــــم الجيــــش بالعــــــدة والعـــــــتاد) لرد أي عــــــدوان قـــــــد يوجـــــه لمدينتـــــهم([3])، ولـذلك لم يحفر النبي ﷺ خندقًا من جهة بني قريظة جنوب شرق المدينة (في غزوة الأحزاب ٥ ه)، واكتفى بحفره من الناحية الشمالية لأنهم -بموجب هذا الاتفاق- مسئولون عن حماية المدينة والدفاع عنها من ناحيتهم، لكنهم غدروا بالمسلمين وتحالفوا مع المشركين كما هو معلوم([4]).

  • وتناولت كذلك تحديد العلاقة مع المتهودين من الأوس والخزرج، وقد ذُكروا في هذه البنود بعشائرهم العربية، وأقرت الوثيقة حلفهم مع المسلمين.

  • كما ضمنت الوثيقة الحرية الدينية لليهود، فلا إكراه على الدخول في الإسلام، كذلك أكدت على مبدأ المسئولية الشخصية للإنسان عن تصرفاته، وأنه لا يعاقب على جريمة غيره، إلا إذا تعاون أو أقر أو تستر على ذلك.

  • وأقرت الوثيقة اليهود على أموالهم، وبالتالي تكون أموالهم محرمة على المسلمين بموجب هذا العهد، لا يجوز الاعتداء عليهم فيها، كما لا يجوز الاعتداء على المسلمين في أموالهم، بل يلزم المسلمين مناصرتهم ومنع الاعتداء عليهم، سواء في أنفسهم، أو على أموالهم([5])، ويمكن كذلك القول بأن كلًا من الفريقين له نوع من الاستقلال الاقتصادي داخل الدولة، بشرط الاشتراك الإلزامي في دعم الجيش في حالة الحرب الدفاعية كما بيَّنا سابقًا.

  • وحُدِّدَت مسؤولية الجرائم وحصرها في مرتكبيها، فالمجرم ينال عقابه، وإن كان من المتعاهدين (لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم)([6]).

  • ومنعت الوثيقة اليهود من إجارة (حماية) قريش أو نصرها، فقد كان النبي ﷺ يستهدف التعرض لقوافل قريش التجارية وهي في طريقها إلى الشام لتعويض ما تركه المهاجرون رضي الله عنهم بمكة، فكان لابد من أخذ هذا التعهد على اليهود، حتى لا تؤدي إجارتهم لتجارة قريش إلى الخلاف بينهم وبين المسلمين.

  • كما منعت الوثيقة اليهود من الخروج من المدينة إلا بعد تعريف إدارة الدولة بهذا الأمر، ممثلة في استئذان النبي ﷺ، وقد جاء هذا القيد على تحركاتهم لمنعهم من القيام بأي نشاط عسكري([7])، مما يؤثر على أمن المدينة واقتصادها وسلمها الاجتماعي، وكذلك لمنعهم من الاتصال بأعدائه في مكة.

  • وأظهرت بعض بنود الوثيقة اهتمام النبي ﷺ بأمر العدالة، وتنظيم السلطة القضائية، فقد اعترف اليهود بموجب هذه البنود بوجود سلطة قضائية مركزية عليا يرجع إليها سائر سكان المدينة، بمن فيهم اليهود أنفسهم([8]).

  • وبموجب الوثيقة اعتُبِرت منطقة المدينة حرمًا، لا يحل انتهاكها، وبذلك أحلت هذه المادة الأمن داخل المدينة، ومُنعت الحروب الداخلية.

  • وتضمنت الوثيقة مبدأ الإحسان إلى الجار، ولا شك أن حسن الجوار والامتناع عن أذى الجيران من أهم الروابط الاجتماعية داخل المجتمع المسلم (بكل مكوناته) للحفاظ على وحدته وسلامته([9]).

  • وقد وفَّى النبي ﷺ بكل ما جاء بهذه الوثيقة من بنود، ومدَّ يده الشريفة إلى اليهود مصافحًا، وتحمل منهم من الأذى ما لا يتحمله أحد، إلى أن نقضوا هم هذه الصحيفة، قبيلة بعد قبيلة، بدءًا من بني قينقاع، ثم بني النضير، وانتهاءً ببني قريظة كما هو معلوم في كتب السيرة.

 

 

(ii) الوثيقة بين المهاجرين والأنصار (رضي الله عنهم)

  • قررت الوثيقة أن المسلمين كتلة واحدة، يرتبط أفرادها برباط العقيدة الإسلامية، فولاؤهم لله وليس للقبيلة، واحتكامهم للشرع وليس للعُرف، ورابطة الأخوة الدينية الحقيقية التي تقتضي المحبة والموالاة، وهي الركيزة الأساسية في تكوين (الأمة المسلمة)، وهم متمايزون بذلك كله على بقية الناس، ورابطة الأمة مفتوحة لمن يعتنق عقائدها، ويقبل روابطها، بصرف النظر عن دمه أو عرقه أو ثروته([10])، ولا شك أن تميز الجماعة المسلمة عن غيرها كان أمرًا مقصودًا يستهدف زيادة تماسكها واعتزازها بذاتها.

  • كما ذكرت الوثيقة في بعض بنودها الكيانات العشائرية العربية، واعتبرت أن المهاجرين كتلة واحدة لقلة عددهم، أما الأنصار فقد نَسَبَتهم إلى عشائرهم، للاستفادة منها في التكافل الاجتماعي.

  • كما أكدت الوثيقة على المسؤولية الجماعية للمؤمنين (المسؤولية المجتمعية) في تحقيق العدل والأمن في مجتمع المدينة، وقيمة التعاون على نصرة المظلوم، مسلمًا كان أو كافرًا، ولذلك أهمية كبيرة، لأن النبي ﷺ لم يشكل قوة منظمة (كالشرطة) لتعقب الجناة ومعاقبتهم، وهذا يؤكد الاعتماد على المؤمنين في صيانة الأمن، والأخذ على يد البغاة والمعـــــتدين والمرتشـــــين([11]).

  • وقررت الوثيقة أن من قُتل بدون وجه حق (لم يُحدث جناية أو سبب يُوجب قتله)، فإن القاتل يُقاد به ويُقتل، إلا إذا اختار أهل القتيل أخذ الدية بدل القصاص، أو وقع منهم العفو، وسواءً اختار أهل القتيل القتل أو الدية، فإن المؤمنين كافة -بمن فيهم أهل القاتل أنفسهم- ينبغي أن يتعاونوا على تطبيق الحكم عليه، وعدم حمايته، مهما كانت درجة قرابتهم له([12]).

  • ونصَّت الوثيقة على أن التكافل الاجتماعي بين المؤمنين يقضي بأن يعينوا مَن أثقلته الديون، وتراكمت عليه، إن كان أسيرًا.. بفدائه، وإن كان جنى جنايةً عن خطأ.. بدفع الدية عنه.

  • وأبرزت الوثيقة استعلاء المؤمنين على الكافرين، وفيه دليل على أن دم الكافر لا يكافئ دم المؤمن، وفيه تأكيد كذلك على الترابط الوثيق بين المؤمنين، وموالاتهم لبعضهم، وقطع صلات الود والنصرة والولاء القديمة مع الكفار.

  • وحصرت الوثيقة مسؤولية إعلان الحرب والسِّلم في يد الدولة، وحاكمها النبي ﷺ، فإذا أعلن الحرب، فإن سائر المؤمنين يتبعونه في ذلك، ولا يمكن لفرد منهم أن يهادن العدو أو يتواصل معه، لأنه مرتبط بالسياسة العامة للدولة، ولا شك أن هذا يمثل تغيرًا هائلًا في بنية ومفاهيم المجتمع العربي القَبَلي، وانتقاله من مرحلة البداوة والقبلية إلى مرحلة التنظيم والحضارة في هذا الوقت، حيث كانت القبيلة تمثل الوحدة السياسية الأساسية، وكانت الحروب تثور بين القبائل لأبسط الأسباب بناءً على تصرفات بعض الأفراد، بل ربما يشتعل القتال لسنوات طويلة بسبب نزاع على سباق خيل، أو قتل ناقة، كما حدث في حروب داحس والغبراء، وحرب البسوس! ([13])

  • كما بينت الوثيقة أن عبء الحرب لا يقع على عشيرة دون أخرى، بل إن الجهاد فرضٌ على جميع المؤمنين وهم يتناوبون الخروج في السرايا والغزوات، وفي هذا نوع من التنظيم العسكري في وقت مبكر.

  • وجعلت الوثيقة أهل المدينة صفًا واحدًا أمام أي خطر خارجي أو داخلي، وسواءً أصاب فردًا أو مجموعة أفراد.

  • ومنعت بنود الوثيقة مشركي الأوس والخزرج من إجارة (حماية) قريش وتجارتها، أو الوقوف أمام تصدي المسلمين لها، فكما ذكرنا، كان النبي ﷺ مصممًا على سياسة التعرض لتجارة قريش، وقد سبق أخذ التعهد على اليهود بذلك أيضًا([14]).

  • ونصَّت على معاملة اليهود المتحالفين مع المسلمين بالمعروف والعدل، وعدم التحريض عليهم، أو إيذائهم، وبملاحظة أن هذا الجزء من الوثيقة كان عقدًا بين النبي ﷺ وبين المهاجرين والأنصار دون حضور اليهود، فإن ذلك يُعبِّر عن ثبات القيم الأخلاقية في السياسة الإسلامية.

  • وجرى التأكيد على أن النبي ﷺ هو المرجع الوحيد في كل خلاف يقع بين المسلمين في المدينة.

والخلاصة، فإن هذه الوثيقة كانت فتحاً جديدًا في الحياة السياسية كما يؤكد د. ياسر برهامي: “كانت وثيقة المدينة مع اليهود تمثل الأساس القانوني للتعامل بقواعد هذا الدين العظيم مع رعايا (الدولة المسلمة) من المسلمين واليهود، وبالاصطلاح المعاصر (المواطنين)، أي: الذين يشتركون في الوطن الواحد، وتحت قيادة موحدة في شخص رسول الله ﷺ في هذا العهد، والذين يسعون إلى تحقيق مصالح مشتركة لهم من خلال التعايش الآمن بينهم، مع احتفاظ كلٍّ بما يعتقده ويدين به، مع قيادته وعبادته وشخصيته المستقلة”([15]).

وبهذه الوثيقة (الصحيفة)، استُكمِلَت عناصر تكوين الدولة – وفق مفهوم الدولة الحديث – القائم على أركان ثلاثة، هي الأمة (الشعب)، الأرض (الإقليم)، السيادة الداخلية والخارجية على أرضها وشعبها (الحكومة)..

 وبعد بيان الأسس الثلاثة المتينة التي قامت عليها دولة الإسلام الأولى (بناء المسجد، المؤاخاة، الوثيقة) نختم بقول د. عماد الدين خليل: “بهذه الإجراءات الأربعة… (أضاف بناء الجيش) وضع القرآن والرسول ﷺ القواعد الأولى لدولة الإسلام في المدينة، وأخذت التشريعات المنبثقة عن هذين المصدرين تنمو وتتسع يومًا بعد يوم، لا بطرائق نظرية تجريدية منفصلة عن الحياة والواقع، وإنما وفق نفس الأسلوب الذي كانت الآيات المكية تتنزل فيه لكي تبنى العقيدة في أذهان ونفوس الإنسان والجماعة المسلمة، وهو أسلوب يرتبط ارتباطًا عضويًا حيويًا بالواقع الحركي والتجربة الحية المعاشة، ومن ثَمّ تجيء معطياته أشد التصاقًا بحركة المسلمين ونمو دولتهم، وأكثر التحامًا بتجربتهم المحسوسة وواقعهم المعيش، وأعمق فهمًا وإدراكًا لمتطلباتها وأبعادها القانونية والسلوكية، نظرًا لمواكبتها لمشاكلهم وتجاربهم اليومية ساعة بساعة، ويومًا بعد يوم”([16]).

وهكذا قامت الدولة الإسلامية في المدينة

([1]) ابن هشام: السيرة النبوية، ج2 ص280.
([2]) أكرم العمري: المجتمع المدني في عهد النبوة، ص112.
([3]) أكرم العمري: المرجع السابق، ص123.
([4]) ياسر برهامي: وثيقة المدينة، دار الخلفاء الراشدين، الإسكندرية، ط1 1440ه/2019م، ص56.
([5]) ياسر برهامي: المرجع السابق، ص79.
([6]) أكرم العمري: المجتمع المدني، ص124.
([7]) صالح العلي: تنظيمات الرسول ﷺ الإدارية في المدينة، ص16.
([8]) إبراهيم العدوي: النظم الإسلامية، مكتبة الأنجلو المصرية، 1392ه/1972، ص126.
([9]) أحمد إبراهيم الشريف: دور الحجاز في الحياة السياسية العامة في القرنين الأول والثاني للهجرة، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1 1968م، ص89 & ياسر برهامي: وثيقة المدينة، ص109.
([10]) أحمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق، ص87.
([11]) محمد عبد الله الصبحي: مرويات الوثائق المكتوبة من النبي ﷺ وإليه، مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط1 1430ه/2009م، ج1 ص241.
([12]) محمد عبد الله: المرجع السابق، ص244.
([13]) أكرم العمري: المجتمع المدني، ص127.
([14]) صالح العلي: تنظيمات الرسول ﷺ، ص91.
([15]) ياسر برهامي: وثيقة المدينة، ص82، 83.
([16]) عماد الدين خليل: دراسة في السيرة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط13 1412ه/1991م، ص163.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى