
بقلم/ د. زين العابدين كامل
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
الجزية هي ما يؤخذ من أهل الذمة، قال القرطبي : إنها مشتقة من جزى يجزي إذا كافأ عَمَّا أسدى إليه فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، وهي إنما تؤخذ من الحر البالغ العاقل المقاتل عند القدرة على دفعها، ولا تؤخذ من النساء والصبيان والعبيد والمجانين والشيوخ الهرمين ولا من العاجز عن دفعها ، فقد أعفى عمر رضي الله عنه، منها يهوديا فقيراً وجده يسأل، ثم إن فرض الجزية عليهم لا يعني إكراههم على الإسلام، فإنه لا إكراه في الدين، ولا ريب أن مسألة الجزية هي من التشريع العام بنص كتاب الله -تعالى– (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)،ولكن دائمًا ما تُثار قضية الجزية في الإسلام على أنها مسبة في جبين المسلمين ، وصور البعض أمر الجزية على أنها من صور الظلم والقهر والإذلال للشعوب.
والصحيح أننا إذا أمعنا النظر والتأمل في مسألة الجزية، نرى أنها من محاسن الإسلام، فقد كان ملوك الروم يأخذون من العاملين ما يقرب من نصف إنتاجهم، فجاء الإسلام وأخذ منهم ديناراً واحداً كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمرني أن أخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً ومن كل أربعين مسنة ومن كل حالم ديناراً ([1]) ، فهي تؤخذ من الغني ولا تؤخذ من الفقير؛ بل إن الفقراء من غير المسلمين قد يأخذون من بيت مال المسلمين؛ علمًا بأن قيمة الجزية هذه أقلُّ بكثير من قيمة ما يدفعه المسلمون في الزكاة؟! فعندما دخل فيه المسلمون الأندلس كانت قيمة ما يدفعه الفرد للمسلمين ممن تنطبق عليه شروط الجزية دينارًا واحدًا في السنة؛ بينما كان المسلم يدفع 2.5٪ من إجمالي ماله إن كان قد بلغ النصاب وحال عليه الحول، ثم أنه في حالة عجز الدولة عن حماية أهل الذمة، لم يَعُد لها حق في هذه الجزية أو هذه الضريبة، وهذا ما صنَعه أبو عبيدة حين أبلَغه نوَّابُه عن مدن الشام بتجمع جحافل الروم، فكتب إليهم أن يردوا الجزية على من أخذوها منه، فحين فتح أبو عبيدة بن الجراح الشام، وأخذ الجزية من أهلها الذين كانوا يومئذٍ ما يزالون على دِينهم، اشترطوا عليه أن يحميهم من الروم الذين كانوا يَسومونهم الخَسْف والاضطهاد، وقَبِل “أبو عبيدة” الشرط، ولكن “هرقل” أعدَّ جيشًا عظيمًا لاسترداد الشام من المسلمين، وبلغت الأنباء “أبا عبيدة” فردَّ الجزية إلى الناس، وقال لهم: لقد سمعتُم بتجهيز هرقل لنا، وقد اشترطتم علينا أن نحميكم، وإنا لا نقدِر على ذلك، ونحن لكم على الشرط إن نصرنا الله عليهم ، ([2]) وهنا يعلق أرنولد على هذا الحدث ويقول : “وبذلك ردت مبالغ طائلة من أموال الدولة ، فدعا المسيحيون بالبركة لرؤساء المسلمين وقالوا: ردكم الله علينا ونصركم عليهم – أي الروم – ” ([3]) .
علمًا بأن تطبيق هذا الأمر بحسب حال المسلمين، فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاهد يهود المدينة بغير جزية، وعاهد مشركي قريش بغير جزية، وكذا لم يأخذها من يهود خيبر، ورغم أن هذا قبل نزول آية الجزية، لكن الراجح أنه ليس بمنسوخ، بل هو مثل: آيات العفو والصفح، والصبر، والمسالمة، فكلها يُعمل بها عند الحاجة إليها ، بل لقد نص العلماء على جواز موادعة الكفار على مال يُدفع لهم عند ضرورة المسلمين لذلك؛ لدفع صغار أشد من ذلك؛ فبالأولى إذا احتاج المسلمون لضعفهم أن يجاهدوا الكفار بغير جزية فعلوا ذلك والله أعلم .
[1] أخرجه الترمذي وصححه الألباني .
[2] الخراج؛ لأبي يوسف، ص: 139 بتصرف، وفتوح البلدان؛للبلاذري، ص: 137، 143 بتصرف، والدعوة إلى الإسلام، توماس أرنولد ص: 53، 54، وهذا الأثر أعله بعض أهل العلم .
[3]أرنولد : الدعوة إلى الإسلام ص 79 .