بقلم/ د. زين العابدين كامل
تُعتبر مدينة الموصل درة بلاد العراق، وإحدى الحواضر الإسلامية الكبرى في التاريخ، وهي تقع شمال بلاد العراق، بل هي أكبر مدن الشمال العراقي، وهي مدينة تاريخية قديمة قامت على أنقاض مدينة نينوى الآشورية، ويُقسِّمها نهر دجلة إلى قسمين، يُعرف القسم الأول منها بالساحل الأيسر، والقسم الثاني بالساحل الأيمن.
وسُمِّيت بالموصل؛ لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق. وقيل: وصلت بين دجلة والفرات. وقيل: بل الملك الذي أحدثها كان يُسمَّى الموصل.
ويقطن الموصل سكان من أصول عربية.
قال عنها ياقوت الحموي: «المدينة المشهورة العظيمة، إحدى قواعد بلاد الإسلام، قليلة النظير كبرًا وعظمًا، وكثرة خلق، وسعة رقعة؛ فهي محطُّ رحال الركبان، ومنها يُقصد إلى جميع البلدان، فهي باب العراق ومفتاح خراسان، ومنها يقصد إلى أذربيجان، وكثيرًا ما سمعت أنَّ بلاد الدنيا العظام ثلاثة: نيسابور؛ لأنَّها باب الشرق، ودمشق؛ لأنَّها باب الغرب، والموصل؛ لأنَّ القاصد إلى الجهتين قلَّ ما لا يمر بها.
وكثيرًا ما وجدتُ العلماء يذكرون في كتبهم: أن الغريب إذا أقام في بلد الموصل سنة تبيَّن في بدنه فضل قوة»[1].
الجذور التاريخية لمدينة الموصل:
تشير بعض المصادر التاريخية: إلى أن تاريخ مدينة الموصل يعود إلى عام 1080 ق. م، عندما اتَّخذ الآشوريون مدينة نينوى عاصمةً لهم وحصَّنوها فأقاموا حولها القلاع.
ومن المعروف: أن مدينة نينوى هي بلد نبي الله يونس عليه السلام، وفي زمن الإمبراطورية الآشورية الثالثة 745-612 ق. م، صارت نينوى أعظم وأكبر مدينة في العالم، حيث ازدهرت في جميع المجالات: العسكرية، والثقافية، وغيرها، وامتدَّت الإمبراطورية الآشورية من غرب الأناضول شمالًا إلى صعيد مصر والسودان جنوبًا، ثم سقطت مدينة نينوى واستولى عليها البابليون عام 612 ق. م وتشتَّت الآشوريُّون في جنوب الأناضول وسورية، ثم بعد ذلك بفترة أصبحت بلاد العراق والشام واقعة تحت صراع الفرس والرومان، حيث كانت الحرب سجالًا بينهما، فأغار الروم وخرَّبوا الموصل، ثم في عهد كسرى أبرويز بن هرمز (579-590م) اهتمَّ بتعزيز موقع الموصل، فبنى فيها عدَّة دورٍ وحصَّنها، وأتى ببعض الفرس وأسكنهم فيها فتوسَّعت المدينة، ثم وقعت آخر معركةٍ بين الفرس والروم وهي المعركة الفاصلة التي انتصر فيها الروم عام 627م، والتي جاء ذكرها في القرآن الكريم في بداية سورة «الروم»: [الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) ] [الروم:1-5].
مدينة الموصل في عصر الخلفاء الراشدين:
لقد ذكرنا أن أغلب فتوحات العراق تمت في عصر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، حيث بدأت الفتوحات على أرض العراق في عصر الخليفة الراشد أبي بكر الصديق I، واستكمل حركة الفتوحات في العراق الشام عمر I، ولا شك أن معركة القادسية التي وقعت عام 14هـ /635م، وَفْق ما اختاره ابن جرير الطبري V، كان لها أثرٌ بالغٌ في فتوحات بلاد العراق وفارس، فمعركة القادسية من أهم وأعظم المعارك التي وقعت، حيث تم بعدها فتح المدائن، ثم كانت موقعة جلولاء، وفتح حلوان (16هـ/637م)، ثم كان فتح تكريت، وفتح نينوى، والموصل، وفتح قَرْقِيسِياء، وهِيت، وفتح مَاسَبَذَان، ثم تم بناء الكوفة (16هـ /637م)، وبناء البصرة (16هـ أو 17هـ).
وفي عام (17هـ/638م) عيَّن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عتبة بن فرقد السلمي واليًا على الموصل، وهو الذي بنى المسجد الجامع، وإلى جانبه دار الإمارة، وكان بالموصل إحدى ألوية الجيش الإسلامي، وفي خلافة عثمان بن عفان I كثرت هجرة القبائل العربية إلى الموصل، وأوَّل مَن نـزلها مِن القبائل: الأزد، وطيء، وكندة، وعبد قيس، ونـزل منها أربعة آلاف، وأمَّر عليهم الخليفة عثمان بن عفان «عرفجة بن هرثمة البارقي»، وسعى البارقي في توسيع الموصل وتعميرها، وتمت توسعة المسجد الجامع فيها؛ نظرًا لكثرة الأعداد الوافدة إليها.
ثم في عهد الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ازدادت الهجرة إلى الموصل، حيث هاجرت بعض القبائل العربية من الكوفة والبصرة إليها، وتم إجراء توسعة جديدة لتتناسب المدينة مع أعداد المهاجرين إليها.
مدينة الموصل في عصر الدولة الأموية:
لقد اهتم بنو أمية بمدينة الموصل، وأولاها الأمويون عناية واهتمامًا، وذلك نظرًا إلى أهميَّتها الحربية والتجارية؛ فكانوا يولُّون عليها أقدر الولاة وأحزمهم وأكفأهم، وقد بلغ خراج مدينة الموصل في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أربعة ملايين درهم.
وقد سَكَن الموصل من الخلفاء الأمويين: هشام بن عبد الملك، وذلك قبل أن يتولَّى الخلافة، وقد بَنَى قصرًا بها وأحاطه بالزرع والنخيل والثمار، وبقي القصر إلى سقوط الدولة الأموية، وقد شيَّد سعيد بن عبد الملك بن مروان سورًا حول المدينة، ثم ولَّى عبد الملك بن مروان أخاه محمد بن مروان الموصل، فقام بتجديده.
ولما تولَّى الحر بن يوسف الأموي مدينة الموصل شق نهرًا بالمدينة يعرف بـ«نهر الحر»؛ وذلك نظرًا لبُعد نهر دجلة عنها، واستغرق شق النهر سبع سنوات تقريبًا منذ عام 108هـ /726م، وحتى عام 115هـ /733م، وكذا قام الحر عام 106هـ /724م، ببناء قصره المعروف بالمنقوشة، وكان من القصور المشهورة، وكان من أجمل القصور في زمانه، وبقي القصر إلى القرن السابع الهجري.
وقد تولَّى مروان بن محمد ولاية الموصل مرَّتين، وكان أوَّل مَن عظَّم الموصل وألحقها بالأمصار العظام، وجعل لها ديوانًا يرأسه، ونصب عليها جسرًا، وهدم المسجد الجامع ووسَّعه وبنى له منارة، وأحاطه بأسواق متنوعة، فكانت أسواق الموصل الرئيسة حوله.
وعلى هذا فقد صارت الموصل قاعدة بلاد الجزيرة بعد أن كانت مدينةً تابعةً للكوفة، وهكذا اهتم والولاة بالمدينة وبتعميريها[2].
مدينة الموصل في عصر الدولة العباسية:
كان سقوط الدولة الأُموية عام 132هـ /750م، بعد هزيمة مروان بن محمد في معركة الزاب، والتي وقعت بين الموصل وأربيل.
وبهزيمة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية وفراره إلى أرض مصر، سقطت الدولة الأُموية، وقامت الدولة العباسية.
وفي بداية العصر العباسي تراجعت الموصل عن دورها العسكري والتجاري؛ نظرًا لبعض التوترات السياسية التي وقعت في المدينة، حتى إنَّ أسواقها بقيت معطَّلةً عِدَّة سنين، وتعرَّض أهل الموصل للقتل والتنكيل.
والسبب الذي ذكره المؤرخون: أن أهل الموصل قد امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَةِ مُحَمَّدِ ابْنِ صُولٍ، وَقَالُوا: يَلِي عَلَيْنَا مَوْلَى الْخَثْعَمِ، وَأَخْرَجُوهُ عَنْهُمْ.
وقيل: إن العباسيين رأوا مِن أهل الموصل ميلًا ومحبةً لبني أمية، ورفضًا وكُرهًا لبني العباس.
وذكر ابن الأثير نص ما حدث آنذاك فقال: «وكان سبب ذلك: أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة محمد بن صُول، وقالوا: يلي علينا مولى الخثعم، وأخرجوه عنهم، فكتب إلى السفاح بذلك، واستعمل عليهم أخاه يحيى بن محمد وسيَّره إليها في اثني عشر ألف رجل، فنـزل قصر الإمارة مجانب مسجد الجامع، ولم يظهر لأهل الموصل شيئًا ينكرونه، ولم يعترضهم فيما يفعلونه، ثم دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلًا، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فأعطاهم الأمان، وأمر فنودي: «مَن دخل الجامع فهو آمن»، فأتاه الناس يهرعون إليه، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع، فقتلوا الناس قتلًا ذريعًا أسرفوا فيه، فقيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفًا -ممَّن له خاتم وممن ليس له خاتم- خلقًا كثيرًا، فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فسأل عن ذلك الصوت، فأخبر به، فقال: «إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان»؛ ففعلوا ذلك، وقتل منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا النساء قهرُا.
فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل في اليوم الثالث ركب اليوم الرابع، وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك، فقالت له: ألست من بني هاشم؟ ألست ابن عم رسول الله H؟!
أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنج؟!
فأمسك عن جوابها، وسيَّر معها مَن يبلغها مأمنها، وقد عمل كلامها فيه، فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء، فاجتمعوا، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم[3].
ثم ولَّى أبو جعفر المنصور عليها عمَّه إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس، ولمـَّا دخل البلد وجدها بحالةٍ يُرثى لها، فجمع الناس وخطبهم ووعدهم بحسن السيرة فيهم بأن يردَّ عليهم المظالم، ويُعطيهم ديات مَن قتلهم يحيى، وكتب إلى المنصور يُعلمه بسوء حال البلد وخرابها، فكتب إليه المنصور: «أن أرفق بالناس وتألَّفهم»، فأخذت المدينة تستعيد مركزها الاقتصادي والتجاري والسياسي مرة أخرى، وقد اهتم أبو جعفر المنصور كذلك بإعادة إعمار المدينة.
وفي أواخر القرن الثالث الهجري سيطر الحمدانيون على الموصل؛ وأحدثوا قفزة جيدة في مجال الزراعة، حيث غرسوا فيها الأشجار والنخيل، وكثرت فيها الفواكه والخضر، ونمت زراعة القطن والأرز والحبوب، وبلغ خراج الحنطة والشعير فيها خمسة ملايين درهم.
ثم سيطر العقيليون على الموصل عام (368-486هـ /979-1093م)، وفي عصرهم تعرَّضت الموصل لكثيرٍ مِن التوترات السياسية، ولكنهم اهتموا بتعمير المناطق التي امتدَّت إليها دولتهم، وكذا اهتموا بسور المدينة.
ثم تمكَّن السلاجقة من الاستيلاء على الموصل، وزال ملك العقيليين منها عام (489هـ /1096م)، وصارت بلادهم جزءًا من دولة السلاجقة، وقد تزعَّم السلاجقة حركة الجهاد ضدَّ الصليبيين الغزاة، لكن الموصل تأثرت بكثرة التوترات في عصر السلاجقة؛ وقد أشار المؤرِّخ ابن الأثير إلى ذلك بقوله: «كانت البلاد -أي: الموصل- قبل أن يملكها عماد الدين زنكي خرابًا؛ من الظلم، وتنقُّل الولاة، ومجاورة الفرنج»، وقد أدَّى تدهور العمران في الموصل إلى تقلُّص رقعتها ورحيل عددٍ من السكان إلى المناطق المجاورة، ولم تنهض الموصل من عثرتها إلَّا في العصر الأتابكي.
ففي شهر رمضان من عام (521هـ /1127م) تسلَّم عماد الدين زنكي الموصل، وتأسَّست الإمارة الزنكية في الموصل، ولمـَّا تسلَّم عماد الدين الموصل أقام بها يُصلح قواعدها، وكانت الموصل هي المركز بالنسبة إليه، فانطلق منها ليُوسِّع دولته؛ خاصَّةً بعد أن وجد البلاد مقسَّمةً بين الأمراء، وكلِّ واحدٍ منهم قد استأثر بولايته، كما استفحل خطر الصليبيين واحتلُّوا أكثر البلاد السوريَّة ووصلوا إلى أسوار حلب، وهنا هاجمهم عماد الدين بجيوشه ودخل معهم في عدة معارك، وكان النصر حليفه فانتصر عليهم، وصار ملكه يمتدُّ من شهرزور شرقًا، إلى قرب سواحل سوريَّة غربًا، ومن آمد وديار بكر وجبال الأكراد الهكارية والحميدية شمالًا إلى الحديثة جنوبًا.
قال ابن الأثير في وصفه: «كان شديد الهيبة في عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابًا من الظلم، وتنقل الولاة، ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلأت أهلًا وسكانًا، وكان أشجع خلق الله»[4].
وقال عنه ابن كثير: «وقد كان زنكي من خيار الملوك وأحسنهم سيرة وشكلًا، وكان شجاعًا مقدامًا حازمًا، خضعت له ملوك الأطراف، وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية، وأجود الملوك معاملة وأرفقهم بالعامة»[5].
وقد توَّج زنكي حروبه بإسقاط إمارة الرها الصليبية عام (539هـ/1144م)، ثم خلَّفه ابنه نور الدين محمود بن زنكي الذي بنى المسجد الجامع الكبير (النوري) عام (566هـ /1171م)، الذي ما زالت منارته من أهمِّ معالم الموصل، ومن المعلوم أن نور الدين زنكي هو الذي مهَّد الطريق أمام صلاح الدين الأيوبي لفتح بيت المقدس.
وعلى الرغم من سقوط الموصل مع سقوط الدولة العباسية على يد المغول والتتار؛ إلا أنها كانت تحتفظ بمكانتها التاريخية، ثم بعد السيطرة المغولية تعاقب عدَّة دويلات عليها، واحتلَّها الشاه إسماعيل الصفوي عام (913هـ /1508م)، ثم صارت تحت سيطرة الدولة العثمانية عام (922هـ /1516م).
مدينة الموصل في عصر الدولة العثمانية:
وفي عصر الدولة العثمانية كانت الموصل إحدى الولايات التابعة لها، ثم أصبحت ولايةً عثمانيةً قائمةً بذاتها عام (945هـ /1539م)، وقد بقيت الموصل ضمن إطار الدولة العثمانية إلى أن سقطت بيد الاستعمار البريطاني عام (1336هـ /1918م)؛ حيث ألحقوها بدولة العراق التي كوَّنوها بعد دمجها بولايتي: بغداد والبصرة، وبعد تنكُّرهم لاتفاقية «سايكس بيكو»؛ حيث كانت الموصل تابعةً للنفوذ الفرنسي حسب هذه الاتفاقية، وصارت جزءًا من مملكة العراق المستحدثة؛ وذلك بسبب اكتشاف النفط آنذاك في كركوك وغيرها من المدن، ثم تعود العراق إلى قبضة المسلمين مرة أخرى، بعد انتهاء الانتداب البريطاني لدولة العراق عام (1350هـ/1932م).
المعالم الحضارية في مدينة الموصل:
تظلُّ مدينة الموصل حتى يومنا هذا شاهدة على ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية من رقيٍّ وتقدُّم، في كثيرٍ من العلوم والفنون، وسنذكر شيئًا من معالم الحضارة بمدينة الموصل.
الأسوار: لعل سور الموصل من أهم المعالم الحضارية بالمدينة، وكان أول مَن بناه وشيَّده: سعيد بن عبد الملك بن مروان الذي تولَّى الموصل في خلافه أبيه عام (65-89هـ /685-708م).
ثم إنَّ مروان بن محمد وسَّع السور الذي بناه سعيد في الأماكن التي اتَّسعت فيها المدينة ورمَّم ما انهدم منه، وذلك في أوائل القرن الثاني للهجرة، واستمر ذلك السور حتى هدمه هارون الرشيد عام (180هـ /797م) على إثر ثورة أهل الموصل عليه، وبقيت المدينة بلا سورٍ حتى عام (474هـ/1081م)، فبنى شرف الدولة العقيلي سورًا جديدًا للموصل، ثم قام السلاجقة بترميم السور وحفر خندق لتحصين المدينة، ولمـَّا تولَّى الموصل عماد الدين زنكي واتَّخذها عاصمةً لملكه؛ قام بتوسَّيع السور من الجهة الشمالية من المدينة، وأدخل الميدان بما فيه قصور الإمارة داخل السور الجديد الذي بناه، كما أنَّه رفع السور من سائر جهاته وأحكمه، وعمَّر الخندق الذي يُحيط به عام (527هـ /1133م)، وصار للميدان سوران أحدهما: السور السلجوقي، والثاني: السور الأتابكي الذي بناه عماد الدين زنكي، وقد كان لسور الموصل تسعة أبواب في العهد الأتابكي.
قلعة الموصل:
تقع قلعة الموصل على الأرض المرتفعة التي تُشرف على نهر دجلة وعين كبريت، وهي في شمال مدينة الموصل، وقد هُدمت تلك القلعة عام (450هـ /1058م)؛ إلا أنَّ الأتابكيِّين اهتمُّوا بهذه القلعة فوسَّعوها وأكملوا عمارتها، وصارت تتَّسع لآلافٍ من أفراد الجيش، وفيها مخازن للمؤن والعتاد ولوازم الحرب، وقد بقيت القلعة عامرة حتى عام (660هـ /1262م)، وشدَّد المغول الحصار على القلعة، ورموها بالأحجار والنار، ففتحوا المدينة وهدموا قلعتها، وهكذا هُدمت هذه القلعة الحصينة وأصبحت خرابًا.
المساجد:
اشتهرت مدينة الموصل بكثرة مساجدها على مرِّ العصور، ومن أهم المساجد التي أُقيمت بالموصل: الجامع الأموي، وهو أول جامعٍ بُنِي في الموصل، حيث بناه عتبة بن فرقد السلمي عام (17هـ /638م)، وبنى إلى جنبه دار الإمارة، ثم وسَّعه عرفجة بن هرثمة البارقي.
ولمـَّا تولَّى مروان بن محمد الموصل هدم الجامع ووسَّعه، وبنى فيه مقصورة ومنارة، وبنى بجواره أماكن لطهي الطعام وإعداده للفقراء في شهر رمضان، وصار يُعرف: (بالجامع الأموي)، وفي عام (167هـ /784م) أمر الخليفة العباسي المهدي عامله موسى بن مصعب بن عمير أن يضيف إلى الجامع الأسواق التي كانت تُحيط به، فقام الوالي بهدمها وهدم أماكن إعداد الطعام (المطابخ)، وأضافها إلى الجامع ووسَّعه، وفي عهد الأتابكيِّين اهتمُّوا بكافَّة مرافق المدينة وتجديدها، ثم قاموا بتجديد وعمارة المسجد الأموي عام (543هـ /1149م)، وذلك على يد سيف الدين غازي الأوَّل بن عماد الدين زنكي، وكانوا يُسمُّونه الجامع العتيق تمييزًا له عن الجامع الجديد -الجامع النوري- واهتمَّ الأتابكيُّون بتزيين الجامع الأموي وزخرفته.
ومن المساجد أيضًا: مسجد خزرج، ويقع في محلَّة خزرج بالموصل، وهو مِن أقدم مساجد الموصل، أُسِّس في القرن الأول الهجري، وسكنت قبيلة خزرج حوله بعد تمصير الموصل فنُسِب إليها، ولم تزل محلَّة خزرج تُسمَّى بهذا الاسم، ويسكنها بعض البيوت من قبيلة خزرج.
ومن الجوامع أيضًا: الجامع النوري الذي بناه نور الدين محمود زنكي عندما دخل الموصل عام (566هـ /1171م)، واستغرق بناء الجامع النوري ثلاث سنوات، وعندما زار نور الدين الموصل مرَّةً ثانيةً عام (568هـ /1173م) صلَّى بجامعه، بعد أن فرشه بالبُسط والحصر، وعيَّن له مؤذِّنين وخدمًا، ورتَّب له كلَّ ما يلزمه، كما أنَّ نور الدين أوقف له أوقافًا كثيرةً لصيانته والنفقة على مَن يتولَّى أموره، وبنى به نور الدين مدرسة تعليمية.
ومن الجوامع أيضًا: الجامع المجاهدي الذي بناه أبو منصور قيماز بن عبد الله الزيني، الملقَّب مجاهد الدين من أهل سجستان، أحد كبار الدولة الأتابكية، وكان في الموصل على عهده جامعان يُجمع بهما: الجامع الأموي والجامع النوري، ونظرًا لكثرة سكان الموصل وبُعد مواطن الإقامة عن المسجدين الأموي والنوري، تم بناء جامع المجاهدي، وذلك تيسيرًا على المصلين، وكان ذلك في عام (572هـ /1177م)، واستمرَّ العمل به خمس سنين، فكان من الجوامع المعدودة في بلاد الجزيرة، وأُقيمت فيه صلاة الجمعة عام (575 هـ/1180م) قبل أن تُستكمل عمارته، ولمـَّا كملت عمارته عام (576هـ /1181م) اعتنى مجاهد الدين في تزيينه بكتابات مختلفة وزخارف متنوِّعة؛ والجامع في الوقت الحاضر أصغر ممَّا كان عليه في العهد الأتابكي، ويُسمَّى جامع الخضر أو الجامع الأحمر.
المكانة العلمية للموصل:
لقد تميَّزت مدينة الموصل على مرِّ الأزمنة بمكانةٍ علميةٍ رفيعة؛ حيث انتشرت بها المدارس والمكتبات، واستوطن بها كثيرٌ من العلماء ومنهم من نُسِب إليها.
ولقد لعبت المدارس دورًا بارزًا في ازدهار الحركة العلمية في الموصل، ومن هذه المدارس: «المدرسة النظامية» التي بناها نظام الملك -الوزير المشهور في القرن الخامس الهجري-، وقد درَّس فيها مِن العلماء: أبو حامد الشهرزوري، وأبو العباس الأنباري المعروف بالشمس الدنبلي.
ومن الآثار الباقية لهذه المدرسة: محراب نفيس من المرمر الأزرق المطعم بمرمر أبيض، وحول المحراب مكتوب بخط كوفي: البسملة، وآيات من القرآن الكريم.
وكان هناك المدرسة الأتابكية العتيقة: التي بناها سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي في منصف القرن السادس الهجري، وقد جعلها وقفًا على الفقهاء الشافعية والحنفية نصفين، ووقف عليها الوقوف الكثيرة، وبعد موته دُفِن بمدرسته هذه، وممَّن درَّس فيها: أبو البركات عبد الله بن الحسين المعروف بابن الشيرجي، الذي درس على ابن شداد العالم المشهور.
وكذلك المدرسة الكمالية: التي بناها زين الدين أبو الحسن علي بن بكتكين في القرن السادس الهجري، وبناية المدرسة في الوقت الحاضر تُسمَّى جامع شيخ الشط، ولم يزل بعض زخارفها باقيًا إلى اليوم، وفي عام (1219هـ /1804م) رمَّم القبَّة وجدَّد بابها، وبنى أروقةً أمامها أحمد باشا بن بكر أفندي الموصلي، وأقام منبرًا داخل المدرسة واتَّخذها جامعًا كان يُعرف بجامع الشهوان؛ لأنَّه يقع في المحلة التي تسكنها قبيلة الشهوان.
وهناك مدرسة الجامع النوري: التي بناها نور الدين محمود بن زنكي، وهي عبارةٌ عن مدرسةٍ وجامعٍ في الوقت نفسه؛ إذ رأى نور الدين أنه من المفيد أن يجمع بين الدِّين والعِلْم في نفس المبنى.
وأما عن المكتبات: فقد انتشر بالموصل عددٌ من المكتبات العامَّة، كان من أشهرها المكتبة التي أنشأها أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي السحام، في نهاية القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع الهجري، وتُعتبر هذه المكتبة هي أوَّل مكتبةٍ عامَّةٍ تُوقَفُ لهذا الغرض وحده، وكانت تحتوي على كتبٍ في جميع فروع المعرفة البشريَّة، كما كانت وقفًا على كلِّ طالب علمٍ؛ لا يُمنع أحدٌ من دخولها، وإذا جاءها غريبٌ يطلب العلم وكان معسرًا قُدِّم له المال والورق، وكانت المكتبة تفتح كلَّ يوم، وكان هناك مكان لمبيت الغرباء المحتاجين[6].
وأما عن العلماء: فيُنتسَب للموصل عددٌ كبيرٌ من العلماء، وكان فيها جماعةٌ من المؤرِّخين من أهل الموصل أو من الذين نـزحوا إليها واتَّخذوها دار إقامةٍ لهم وكتبوا عنها.
ومِن أشهر مَن انتسبوا إلى الموصل: ابن شداد الموصلي صاحب كتاب تاريخ حلب، وهو مِن علماء عصره المعدودين، الذي كان إمامًا في الدنيا والدِّين، وكان يُشبه القاضي أبا يوسف في عصره، و-أيضًا- المبارك بن الشعار الموصلي صاحب كتاب عقود الجمان، وأبو الحسن الهروي الرحَّالة الشهير، وله كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات.
كما اشتهر منها من علماء الدين: الفخر الموصلي، وكان بصيرًا بعلل القراءات، وله كتابٌ في مخارج الحروف، وأبو عبد الله محمد بن الحنبلي الموصلي المعروف بشعلة، كان شيخ القراء في الموصل، متضلِّعًا بالعربية والنظم والنحو، وله كتاب كنـز المعاني في حرز الأماني.
واشتهر من المحدِّثين: أبو زكريا يحيى بن سالم بن مفلح البغدادي الموصلي الحنبلي، حدَّث بالموصل وتُوفِّي بها ودُفِنَ بمقبرة الجامع العتيق، والحافظ زين الدين عمر بن عيد الحنفي الموصلي له كتاب المغني في علم الحديث، رتَّبه على الأبواب وحذف الأسانيد.
ومن فقهاء الحنابلة: أبو المحاسن المجمعي الموصلي الحنبلي، جمع كتابًا اشتمل على طبقات الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد، كما اشتهر من فقهاء الحنفية أولاد بلدجي.
واشتهر بها من الأطباء: أبو الحسن علي بن أبي الفتح بن يحيى كمال الدين الكباري الموصلي، عاش ما يُقارب مائة سنة، وكان من أطبَّاء زمانه، والمهذَّب علي ابن أحمد بن مقيل الموصلي، وكان أعلم أهل زمانه بالطب، له تصنيفٌ حسن.
ومِن الأعلام الذين سكنوا الموصل وكتبوا عنها وعن رجالها: ابن المستوفي الأربلي، وياقوت الحموي الرومي، وعبد اللطيف البغدادي، والسمعاني صاحب الأنساب، والعز بن عبد السلام وله كتاب الفتاوى الموصلية، وابن الصلاح الشرخاني الشهرزوري الملقَّب تقي الدين؛ كان أحد فضلاء عصره في التفسير والفقه، والحديث وأسماء الرجال، وما يتعلَّق بعلم الحديث، واللغة، وله مشاركةٌ في فنون كثيرة، وهو من فقهاء الشافعية في عصره.
فهذه هي مدينة الموصل أعظم حواضر العرب والمسلمين، وهي درة العراق، ومدينة العلم والتاريخ والحضارة[7].
[1] ياقوت الحموي، معجم البلدان (5/224).
[2] للمزيد راجع: أبو زكريا الأزدي، تاريخ الموصل، تحقيق علي حبيبة، وأحمد أرشيد الخالدي: المدن والآثار الإسلامية، وسعد سعيد الديوه جي، الموصل -نينوى- في التاريخ، مجلة المجتمع.
[3] ابن الأثير، الكامل في التاريخ (5/33).
[4] ابن الأثير، الكامل في التاريخ (9/142).
[5] ابن كثير، البداية والنهاية (12/275).
[6] للمزيد راجع: أبو زكريا الأزدي: تاريخ الموصل، تحقيق علي حبيبة، وأحمد أرشيد الخالدي: المدن والآثار الإسلامية، وسعد سعيد الديوه جي: الموصل – نينوى -في التاريخ، مجلة المجتمع.
[7] وسيم الشريف، الموصل في التاريخ، مدونة تاريخنا.