
بقلم/ د. زين العابدين كامل
ذكرنا في معرض حديثنا عن الفتوحات أن بلاد ما وراء النهر فتحها المسلمون ما بين سنتي ( 87 -96هـ ) فهي تعتبر من أواخر البلاد فتحًا ، ورغم ذلك بدأ الإسلام ينتشر فيها سريعًا ، وذلك لنفس الأسباب التي ذكرناها مرارًا ، وهي سماحة الفاتحين وعدالة الإسلام وشعورهم بالمواساة في ظل الحكم الإسلامي ، ثم بسبب فساد الأحوال الدينية في بلادهم ، حيث كان معظمهم يعبدون الأصنام ومنهم من كان معتنقًا لبعض الأديان التي كانت منتشرة في بلاد فارس ، ولكن يبدوا أن هذه الأديان لم تكن راسخة ومستقرة في قلوب الناس لاسيما وأنها أديان تحتوي على كثير من الخرفات والتعقيدات ، لذا سرعان ما تركوها وتحولوا إلى الإسلام ، فلقد أيقن هؤلاء أن الإسلام هو دين الحق والفطرة ، ومن الدلائل على ذلك أن قتيبة بن مسلم عندما فتح مدينة سمرقند عام 93هـ دخلها وصلى فيها وبنى فيها مسجدًا وخلف بها جماعة منَ المسلمين فيهم الضحاك بْن مزاحم صاحب التفسير، ووجد قتيبة عددًا كبيرًا من الأصنام بالمدينة ، فأخرجها وحطمها وأحرقها، وكانت الأعاجم تقول أن فيها أصناما منَ استخف بها هلك ، فلما حرقها قتيبة بيده أسلم منهم خلق كثير ([1])، وبعد هذه الحادثة بسنة واحدة أصبح جيش قتيبة يضم عشرين ألفًا من أهل هذه الأقاليم ، ثم تتابعت جهود الأمويين لنشر الإسلام لاسيما في عصر هشام بن عبد الملك ، ففي عام 109 هـ عزم هشام على توجيه عدد من الدعاة إلى بلاد ما وراء النهر ، للعمل على دعوة النس للدخول في الإسلام ، وكات يتخير الدعاة حتى أنه كان يستشير خاصته في اختيار الدعاة ، وقد أرسل هشام بن عبد الملك صالح بن طريف والمعروف بأبي الصيداء ، وهو رجل من أهل العلم والفضل ، وبالفعل نجح صالح بن طريف في أمر الدعوة إلى الله تعالى ، وأثمرت دعوته نتائج طيبة ، ومن هنا استقر الإسلام في تلك البلاد وانتشر وأصبحت هذه البلاد هي القنطرة الرئيسية لبلاد الصين. ([2])
[1])) البلاذري: فتوح البلدان ص 407.
[2])) الطبري: تاريخ الرسل والملوك ، (6/483) و البلاذري: المصدر السابق ص 409، وأرنولد : الدعوة إلى الإسلام ص 243 .




