مقالات متنوعة

التنظيم الإداري في عصر النبوة

التنظيم الإداري في عصر النبوة

الوظائف الإدارية والتنفيذية:

كان للنبي ﷺ الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا، القائمة على مبدأ الشورى، وكانت سلطاته الإدارية للدولة كلها فيما يتعلق بتحديد الأهداف، ورسم السياسات العامة، و(أقام الحدود، ونفذ القضاء، وقضى في الحقوق المدنية والجنائية، وجبى المال من مواضعه الشرعية، ووزَّعه على مستحقيه، وفي مرافقه القانونية، وعقد المعاهـــدات وأعـــلن الحــرب، وعقـــد الصلــح، وكـــان في جمـــيع ذلك مؤيـــدًا من الله تعالى)([1])، وكان يشاركه في إدارة الدولة مجموعة من خيرة الصحابة رضوان الله عليهم، والذين كان يستشيرهم دون أن يكون لهم مجلس شورى له قواعد، واجتماعات إدارية، ومواعيد دورية محددة، فقد كان النبي ﷺ يستشير الواحـــد بالرأي وحـــين يستصوبه يأخـــذ به، وإن كان يخـــالف رأيه، كمــا استشــــار سعد بن معاذ، سعد بن عــــبادة رضــــي الله عنهـــــما مــــا فـــي غـــزوة الأحـــزاب (5هـ)([2])، واستشـــــــار أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ما في فراق أهله([3])، كما كان يقبل الاقتراحات التي يراها تصب في المصلحة العامة، كما حدث مع الحباب بن المنذر رضي الله عنه في اختيار موقع القــــتال في بدر (2هـ)([4])، وما اشتهر به سلمـــان الفارســـي رضــــي الله عـــنه في حفــــر الخــــندق (5هـ)([5])، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ)([6]).

وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بمثابة وزيري رسول الله ﷺ في حياته([7])، وهو ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم، فكان ذلك من أهم أسباب استخلافهما بعد وفاة النبي ﷺ.

قال ابن خلدون رحمه الله: (كان يشاور أصحابه ويفاوضهم في مهماته العامة والخاصة، ويحظى أبو بكر رضي الله عنه بخصوصيات أخرى، حتى كان العرب الذين عرفوا الدول وأحوالها من كسرى وقيصر والنجاشي يسمون أبا بكر وزيره، ولم يكن لفظ الوزير يُعرف بين المسلمين)([8]).

وقد ارتبطت مجموعة من الوظائف الإدارية برئيس الدولة، منها وظيفة (الحجابة لرسول الله ﷺ)، فكان بعض الصحابة منهم سفينة، رباح الأسود، وأنس بن مالك رضي الله عنهم يقومون بالإذن على رسول الله ﷺ بتكليف منه في بعض الأوقات التي كان يحب أن يخلو فيها بنفسه في المسجد، أو في حجرة من حجرات أزواجه رضي الله عنهن([9]).

وقد وُجدت كذلك وظيفة (أمين السر وكانت مرتبطة بشكل كبير بالإدارة العليا للدولة (رسول الله ﷺ)، وكانت هذه الوظيفة طيلة فترة الرسالة لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه، والذي أخبره النبي ﷺ بأسماء المنافقين، وانفرد كذلك بمعرفة أخبار الفتن التي تقع بين المسلمين([10]).

كذلك كانت هناك وظائف إدارية ذات طبيعة إعلامية، كوظيفة (الشعراء) الذين كانوا يذودون (يدفعون) عن رسول الله ﷺ وعن الدعوة والدولة بألسنتهم ضد من كانوا يهاجمونهم من قريش، ويعيبون عليهم عبادتهم للأصنام، ويردون على شعراء المشركين، وكانوا بذلك يمثلون حربًا إعلامية شديدة التأثير في بيئة قبلية تحتفي بالشعر وتقدره، ويحتل فيها الشعراء مكانـــة متميزة كمــا هو معـــروف، وكان من أشـــهر هـــؤلاء الشــــعراء عبد الله بن رواحة([11])، كعب بن مالك([12])، وحسان بن ثابت رضي الله عنهم([13])، والذي كان رسول الله ﷺ يدعو له: (يا حسان، أجب عن رسول الله ﷺ، اللهم أيده بروح القدس)([14]) وكذلك وظيفة (الخطباء)، وقد كُلِّف ثابت بن قيس رضي الله عنه بهذه الوظيفة، فكان يرد على خطباء الوفود، كما حدث مع وفد بني تميم حين قدموا على رسول الله ﷺ في العام التاسع الهجري([15]).

وكانت وظيفة (الكاتب) من الوظائف الإدارية التي استحدثها النبي ﷺ، فقد كان له جهاز كبير من الكُتَّاب، وصل عددهم إلى أكثر من أربعين كاتبًا، فكان هناك (كُتَّاب الوحي) كزيــد بن ثابت، أُبيّ بن كعـــــب، خالــــــد بن ســـــــعيد، العــــــــلاء بن الحضــــــــرمي ومعاوية بن أبي سفيان، عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن أبي السرح، علي بن أبي طالب، عثمان بن عفــان، عمـــر بن الخطـــاب رضـــي الله عــــنهم([16])، وكـــــان هنـــــاك (كُتَّــــاب الرســائل) كعبد الله بن أرقم رضي الله عنه، الــــــذي كــــــان يجيــــــب الملــــــوك ويكتب إليهم بعد العرض على رسول الله ﷺ([17])، وكان هناك من يكتب العهــــــود والمواثيق والمصــــــالحات كعلي بن أبي طالب، وجُهيم بن الصَّلْت، والأرقم بن أبي الأرقم، والزبير بن العوام رضي الله عنهم([18])، وكان الحُصين بن نُمير رضي الله عنــــــه يكتــــــب حــــــوائج النبي ﷺ([19])، وقــــــام حذيفة بن اليمــــــان رضي الله عنــــــه بكتابة خــــــرص الثمــــــار، وكــــــان العلاء بن الحضرمي، وعبد الله بن أرقم رضي الله عنهما يكتبان بين الناس في قبائلهم، ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء، وكان المغيرة بن شعبة، والحُصين بن نُمير رضي الله عنهما يكتبان المداينات والمعاملات، والزبير بن العوام، وجُهيم بن الصَّلْت رضي الله عنهما يكتبان أموال الصدقات([20]).

ومن الملفت أنه قد بلغ من اهتمام النبي ﷺ بالجهاز الكِتابي -في هذا الوقت المبكر- أنه كان يعيّن خليفة لكل كاتب إذا غاب عن عمله، وذلك حتى لا تتعطل مصالح الدولة الإدارية لغياب كاتب لأي سبب، فقد ثبت أنه أسند هذه الوظيفة إلى حنظلة بن الربيع رضي الله عنه([21]).

وظهرت كذلك وظيفة (المترجِم حيث كان زيد بن ثابت رضي الله عنه يقوم بالترجمة من اللغات الفارسية والرومية والقبطية والحبشية واليهودية والسريانية، بعد أن تعلمها بتكليف من النبي ﷺ، فكان يترجم الرسائل التي تَرِد للنبي ﷺ، ثم يكتب ردها ويرسله، قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم له كتاب يهود (اللغة السريانية) قال: “إني والله ما آمَنُ يهود على كتابي“، قال: فما مرَّ بي نصفُ شهرٍ حتى تعلمتُهُ له، قال: فلمَّا تعلمتُهُ كان إذا كتب إلى يهود كتبتُ إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأتُ له كتابَهُم)، وفي رواية: (أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم السريانية)([22]).

([1]) عبد الشافي محمد عبد اللطيف: بحوث في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، دار السلام، القاهرة، ط2 1429ه/2008م، ص133.
([2]) ابن هشام: السيرة النبوية، ج3 ص193.
([3]) البخاري: صحيح، كتاب المغازي، باب: حديث الإفك، ج3 ص190 حديث رقم 4141.
([4]) ابن هشام: السيرة النبوية، ج2 ص224.
([5]) ابن هشام: نفس المصدر، ج2 ص194.
([6]) الترمذي: السنن، كتاب الجهاد، باب: ما جاء في المشورة، ص400 حديث رقم 1714.
([7]) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “ما من نبيٍّ إلا وله وزيرانِ من أهلِ السماءِ، ووزيران من أهلِ الأرضِ؛ فأما وزيراي من أهلِ السماءِ: فجبريلُ وميكائيلُ، وأما وزيراي من أهلِ الأرضِ: فأبو بكرٍ وعمرُ” الترمذي: السنن، أبواب المناقب عن رسول الله ﷺ، باب في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كليهما، ص835 حديث رقم 3680.
([8]) ابن خلدون: المقدمة، ص237.
([9]) ابن عبد البر (أبو عمر يوسف): الاستيعاب في معرفة الأصحاب رضي الله عنهم، تحقيق: عادل مرشد، دار الأعلام، عمَّان، ط1 1423ه/2002م، ج1 ص109 & محمد عبد الحي الكتاني: التراتيب الإدارية، ج1 ص90.
([10]) ابن الأثير الجزري (عز الدين أبو الحسن علي): أُسد الغابة، دار ابن حزم، بيروت، ط1 1433ه/2012م، ص260 & محمد عبد الحي الكتاني: نفس المرجع.
([11]) ابن حجر العسقلاني (أحمد بن علي): الإصابة في تمييز الصحابة رضي الله عنهم، تحقيق: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، ط2 1431ه/ 2010م، ج2 ص1045.
([12]) ابن حجر العسقلاني: نفس المصدر، ج3 ص1696.
([13]) ابن حجر العسقلاني: نفسه، ج1 ص371.
([14]) البخاري: صحيح، كتاب الصلاة، باب: الشعر في المسجد، ج1 ص228 حديث رقم 453 & مسلم: صحيح، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، ص1932 حديث رقم 2485.
([15]) ابن هشام: السيرة النبوية، ج3 ص187 & الطبري: تاريخ، ج1 ص798.
([16]) محمد عبد الحي الكتاني: التراتيب الإدارية، ج1 ص149.
([17]) محمد عبد الحي الكتاني: نفس المرجع، ص154.
([18]) محمد عبد الحي الكتاني: نفسه، ص156.
([19]) محمد عبد الحي الكتاني: نفسه.
([20]) ابن عبد ربه: العقد الفريد، ج3 ص128، 129 & محمد عبد الحي الكتاني: التراتيب الإدارية، ج1 ص156.
([21]) ابن عبد ربه: نفس المصدر، ج1 ص153 & محمد عبد الحي الكتاني: نفس المرجع، ج1 ص153.
([22]) البخاري: صحيح، كتاب الأحكام، باب: ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد؟، ج13 ص265 حديث رقم 7195 & أبو داود: السنن، كتاب العلم، باب: رواية حديث أهل الكتاب، ص552 حديث رقم 3645 & الترمذي: السنن، أبواب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﷺ، باب: ما جاء في تعليم السريانية، ص611 حديث رقم 2715.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى